محمد متولي الشعراوي

1514

تفسير الشعراوى

أمور الحياة ؛ لذلك تشككوا في رزق الغيب ، وهو المن والسلوى ، وقالوا : « من يدرينا أن المن قد لا يأتي ، وأن السلوى قد لا تنزل علينا » فلم تكن لهم ثقة في رزق وهب لهم من الغيب ؛ لأنهم تناولوا كل أمورهم بمادية صرفة . وما دامت كل أمورهم مادية فهم في حاجة إلى هزة عنيفة تهز أوصال ماديتهم هذه ؛ لتخرجهم إلى معنى يؤمنون فيه بالغيب . ونحن نعلم أن الفكر المادي لا يرى الحياة إلا أسبابا ومسببات ، فأراد الحق سبحانه وتعالى أن يخلع منهم ذلك الفكر المادي ، لذلك جاء بعيسى عليه السّلام على غير طريق الناموس الذي يأتي عليه البشر ، فجعله من امرأة دون أب ، حتى يزلزل قواعد المادية عند اليهود . لكن الفتنة جاءت في قومه ، فقالوا ببنوته للإله ، وسبحانه منزه عن أن يكون له ولد . ولنا أن نسأل ما الشبهة التي جعلتهم يقولون بهذه البنوة ؟ قالوا : إن الأمومة موجودة والذكورة ممتنعة ، والشبهة إنما جاءت من أن اللّه نفخ فيه الروح ، فاللّه هو الأب . نقول لهم : لو أن الأمر كذلك لوجب أن تفتنوا في آدم أولى من أن تفتنوا في عيسى ؛ لأن عيسى عليه السّلام كان في خلقه أمومة ، أما آدم فلا أمومة ولا أبوة ، فتكون الفتنة في آدم عليه السّلام أكبر ، وإن قلتم : « إن الحق قال : إنه نفخ فيه من روحه » ، فلكم أن تعرفوا قول اللّه في آدم عليه السّلام : وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ( 28 ) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ ( 29 ) ( سورة الحجر ) إذن فالنفخ هنا في آدم موجود ، فلماذا سكتم عن هذه الحكاية منذ آدم وحتى مجىء عيسى عليه السّلام ، وهكذا يتم دحض تلك الحجة ونهايتها ، وبعد ذلك نأتى إلى قضية أخرى ، وهي توفيه أو وفاته ، إلى القضيتين معا - توفيه ووفاته - حتى